الأسرة في الإسلام كيان مقدَّس، وهي اللَّبِنَة الأساسية في بناء المجتمع الإنساني السليم؛ ولهذا أَوْلَى الإسلام بناءها عناية فائقة، وأحاط إنشاءها بأحكام وآداب تكفل أن يكون البناء متماسكاً قويّاً، يحقِّق الغاية الكبرى من وجوده، وعند غياب هذه الآداب ووجود ما يخالفها فإن كثيراً من المشكلات والأزمات تحدث بين الزوجين، فتتعرض الأسرة إلى هزَّات عنيفة، قد تؤدِّي إلى زعزعة أركانها وانفصام عراها، وأحاول في هذه السلسلة استعراض بعض السلوكيات السلبية التي سادت في بعض الأسر، وأحدثت تمزقًا نفسيًا وعلى إثرها اهتزت العلاقات داخل الأسرة، وفقد الاستقرار والأمان، واليوم نتناول أحد هذه السلوكيات وهو (عدم توفير الوقت لأسرتك). تعددت الأسباب التي تدفع الآباء للانشغال وعدم توفير الوقت الكافي لأسرهم عامة والأبناء خاصة، يقول ابن القيم الجوزية في كتابه (تحفة المودود في أحكام المولود) وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوَت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء؛ فالأسرة هي المسؤولة عن تكوين أخلاقيات الطفل وتغذيته بالأمن والطمأنينة، وتجنيبه معظم عوامل القلق والاضطراب؛ لذا فالأسرة التي يغيب عنها دور الأب لانشغاله وتقصيره في تربية أبنائه كثيرا ما يؤدي ذلك إلى نتائج سلبية تهيئ للانحراف؛ فغياب القدوة من أهم الظواهر الأسرية السلبية التي تؤدي إلى حدوث خلل في أساس الأسرة، والمصيبة الأعظم عند انشغال الأم والأب عن الأبناء؛ فهما عمودا البيت حينها تنعدم القدوة الحسنة للأبناء، وأنا هنا لست بصدد التعليق عن الزوج الذي يهرب من مسؤوليات الأسرة ويدعي الانشغال، وهو في حقيقة الأمر منخرط في حياته مع أصدقائه؛ لأن هذا النوع من الأزواج معروف أنه مخطئ ولا بصدد التعليق عن الأم التي تهمل أبناءها وأسرتها بحجج الزيارات والعلاقات الاجتماعية وإنما أتحدث عن الأسر السوية التي تعددت أسبابها لعدم توفير وقت كالأب الذي يعمل لفترات طويلة خارج المنزل وانشغاله عن عائلته بالحصول على المال، أو سفره وعمله خارج البلاد، أو عمله الذي يستغرق كل النهار ويعود بساعات متأخرة من الليل واعتقاده أن مسؤوليته تنحصر في توفير الجانب المادي للبيت، أو عن حالات الطلاق الذي يؤدي إلى انعدام سلطة الأب على الأبناء وتأثرهم بالمشكلات التي ترتب عليها الطلاق وامتناعهم عن محاكاة الأب إذاً فغياب الأب عن أسرته يقلل من نفوذه، ويخلق شعوراً سلبياً عند الأبناء ولاسيما عند ترك مسؤولياته على الأم؛ مما يخلق أعباء نفسية واجتماعية عليها تؤثر سلباً على تربيتها لأبنائها. عدم توفير الوقت وأثره على الأبناء لقد كانت الأُسرة المسلمة إلى زمنٍ قريبٍ متماسكةَ الأركان، يعيش الجَد والأبناء والأحفاد تحتَ سقفٍ واحدٍ، تَسُودُها: المودَّة، والمحبةُ، والرحمةُ، والتعاونُ، ولكن اليوم في تغير مستمر؛ فظروف الأسرة الصعبة تدفع بالوالدين إلى الخروج لتلبية حاجيات الحياة المتشعبة، ومحاولة تأمين حياة على الأقل كريمة لهما ولأولادهما، ولكن عندما يفشل الوالدان في وضع خطة ورؤية واضحتين لهذا الغياب، ينعكس الأمر سلباً على تربية الأولاد؛ إذ تتسبب هذه العوامل في زيادة وتيرة العنف داخل الأسرة، فضلا عن غياب ثقافة التربية الصحيحة لدى الوالدين، وأقصد بها ثقافة الاهتمام بدراسة الطفل وغذائه وملبسه وتربيته على السلوك المنضبط لا السلوك الشاذ، فانشغال الأبوين وإهمالهم لأبنائهم وتهاونهم وعدم محاسبتهم على السلوكيات غير المرغوب فيها وتخليهم عن التربية الصحيحة وعدم متابعتهم أو عدم التدخل في اختيارهم لأصدقائهم سواء بالرقابة أم التوجيه الصحيح للاختيار؛ مما يؤدي إلى تعرض الأبناء للانحراف ولاسيما عند تقصير الأم أيضاً في واجبها التربوي. وقد بينت الدراسات أن فقد الطفل لرعاية أبويه واهتمامهما له آثار بالغة على نفسية الطفل مثل الجوع الوجداني، الانطوائية والاكتئاب، فضعف الجانب العاطفي الأبوي، وانعدام المشاعر الأبوية تجاه الأبناء يؤدي إلى انعدام الحنان والمحبة بين الطرفين وحدوث حالات نفسية مكتئبة لدى الأبناء، فقد تحدث بعض الاضطرابات في حياة الطفل، ويتجلى ذلك في مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب الطفل بين الحين والآخر، ولاسيما أثناء النوم، أو من خلال أعراض نفسية جسديه كقضم الأظافر، تبول لا إرادي، عدم التركيز، كثرة النسيان، الميل للعزلة، وعند شلل الهيكل التربوي نتيجة لغياب الأب المستمر، تضعف الجوانب العلمية والفكرية والثقافية لدى الأبناء وتحمل الأم العبء الأكبر من مسؤولية تربية الأبناء في جميع الجوانب، وهذا يؤدي بلا شك إلى تقصيرها في التربية، بسبب غياب دور الأب ومسؤوليته في المنزل. فالأب هو ربان سفينة الأسرة، يقودها بفطنته ليحمل أبناءه إلى شواطئ الدفء والأمان، وبَرّ الثقافة الفكرية والعلمية. عدم توفير الوقت لزوجتك وأثر ذلك على الأسرة إهمال الزوج لزوجته وعدم الاستماع إليها هو إعدام بطيء لروح الأسرة؛ فالزوج الذي لا يدري عن حال بيته، ولا يتحاور مع زوجته، ولا يشارك في حل مشكلاتها، ولا يشجع إنجازاتها، ولا يهتم بطلباتها، وهمّه مُتوجه إلى نفسه فقط وأشغاله، ولا يعرف من البيت إلا أنه مكان للنوم وتغيير الملابس والطعام أحيانا، ويتعلل بالانشغال ومتطلبات الحياة التي يسوغ بها إهماله، ولا يقبل النقاش في هذه القضية، بل ربما يكون النقاش معه فتح باب مشكلات كثيرة الصبر على إهماله أخف منها، فهو وإن صدق في بعضها فلا يقبل ولا يصح أن تكون حالة دائمة ومستمرة؛ لأن مسؤوليته تجاه زوجته تحتم عليه أن يغير من أسلوب حياته بما يحفظ كيان الأسرة، ويحقق سعادتها. إن هذا الإهمال يجر الأسرة إلى انحرافات خطيرة في بعض الحالات، كما يزرع حاجزا نفسيا بين الزوج وزوجته، وهذا يدل على جهله بحقيقة أو بشمولية الحاجات التي تأتي في قمتها الحاجات النفسية والعاطفية للزوجة، ولا يعوضها شيء من الأموال. وأذكرك أيها الزوج أن من مقاصد الزواج الأساسية الإعفاف والإحصان، ولا يتحقق هذا الأمر بتقضية وقتك كله خارج المنزل وعند عودتك في ساعة متأخرة من الليل وقد أرهقك التعب فترتمي على فراشك نائما دون السؤال عن زوجتك. < اهتم بشريك حياتك حتى لا يقتحم الفتور والملل الحياة الزوجية. < اتصل وأنت خارج المنزل للاطمئنان عليها وعلى الأولاد. < أرسل رسالة معبراً بها عن حاجتك إليها ولا يمنعك عنها إلا الشغل. < ساعة قبل نومك للاستماع لها وإغراقها بحبك وحنانك. < ترتيب يوم في الشهر لقضاء رحلة خارج البيت بعيداً عن العائلة والبيت وما يحمله من مسؤوليات، وغيرها من الأمور التي تعد من المفاجآت لإسعادها. أدر وقتك جيدا المربي، لم تعد أنت فقط من توجه وقتك بل معك شركاء آخرون والأحرى بالقول أعداء يغزون فكر أبنائك كالقنوات الفضائية والإنترنت وما يبثان من إباحيات تسيطر على عقل ابنك أكثر منك، فهما الصديقان لابنك في غيابك وانشغالك بالأمور الحياتية، ولم يعد من السهل عليك أن تنجح في مهمتك لتربية أجيالك ما لم تكن حريصاً كل الحرص على توفير جزء من الوقت لمد يد العون والمساعدة لهم لكي تستعيد مكانتك لتنشئة أبنائك تنشئة سليمة، وهذه خطوة ضرورية لإعادة التوازن إلى العلاقة بين الجيلين الآباء والأبناء.. < حاول أن تجعل لأسرتك مواعيد ثابتة للجلوس معهم يومياً ولو لفترة بسيطة كالحرص على مشاركتهم وجبتين للطعام. < رتب لقاء أسبوعياً أو شهرياً للخروج في نزهة عائلية أو لزيارة الأهل لتقوية صلة الرحم وكسر للروتين اليومي. < أسند لنفسك بعض المسؤوليات التربوية واجعلها من واجباتك اليومية كأخذ الأولاد لحضور الفروض الخمس بالمسجد، أو الاجتماع في البيت في حلقة ذكر ومراجعة القرآن الكريم. < خصص جزءاً من وقت فراغك لسماع أبنائك بآذان صاغية وبلا حدود للحوار لكي تستوعب ما يتوصل إليه كل جيل من جديد وإلقاء التوجيهات الهادفة منك إليهم مع الحرص على الإيجابية في الحوار فلا يكن حوارك بالألفاظ السلبية. < حافظ على ابتسامتك وطلاقة وجهك حتى لو كان عقلك ممتلئا بالمشاغل حتى لا يشعر أبناؤك بثِقل الوقت معك. فأولادك أيها المربي هم استثمارك الحقيقي وليس الاستثمار المالي؛ فهم أمانة في عنقك، فحافظ عليهم؛ فهم بناة المستقبل ورعيتك اليوم، وخصماؤك يوم القيامة إن ضيعت، وتاج على رأسك إن حفظت، والمستقبل كفيل بإظهار معالم هذه القضية فسوف ترى أن الأموال الطائلة التي حرصت على جمعها لأبنائك لا تغطي عيباً واحداً من العيوب التي نشأت بسبب غيابك عن المنزل، ولن تحقق الحاجات النفسية التي تنطلق من قلب طفلك إلا بكثرة مداومته معك.